محمود صبري ..ليس بذريعة الاحتفاء ولكن بضرورة إعادة القراءة والفهم

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
30/04/2008 06:00 AM
GMT



لبلوغه الثمانين من العمر ، تمّ الاحتفاء بالفنان محمود صبري ( 1927 ) من قبل العديد من النقاد والفنانين والتجمعات الثقافية العراقية . عدّ هذا الاحتفاء مناسبة لاستذكار منجزه الفني والإشادة – وان كانت على نحو غامض – بأطروحته النظرية "واقعية الكم -1971".
لم يكن الاحتفاء الا مناسبة عابرة ، تمت أحاطتها بتبجيل الدور الإبداعي للمحتفى به ، بعد افتراض عاجل ، انه بات في عداد الماضي . وكلمات ثناء واستذكارات سابقة صاحب بعضهم الفنان في القليل من لحظاتها . وقدر من الشكوى جرّاء الزعم بعدم الانتباهة المتواصلة للمبدع ومنجزه.
إنها احد أدوارنا ، تلك التي نستبدل فيها طريقة التفكير بالأسئلة التي تثيرها كل تجربة جديدة ، إبداعية كانت أم معرفية ،إلى لازمة أخلاقية ندعوها بالوفاء.

هل أتحدث عن قصص الجحود التي يثيرها تاريخ الفن عن الفنانين ؟. أجد أن الموقف يتعلق بالفهم وليس بالنكران.
نعلم أن الفنان " محمود صبري " يحتفظ بأهمية راسخة في الريادة الفنية في العراق ، إلى جانب الفنانين ، فائق حسن ، جواد سليم ، شاكر حسن آل سعيد . هؤلاء الذين منحوا الفن التشكيلي العراقي خبرة قائمة على الاحترافية والتجريب ودوافع التجديد ،متجاوزين صفة الهواية والحضور المحدود الذي طبع هذا الفن قبل نهايات القرن المنصرم . كما تأكدت مكانته ، بدءا ، باللوحات التي اتخذت الموضوعة الاجتماعية والسياسية وفعل الالتزام في الفن منحى لها . فكانت لوحات " الشهيد 1950 " ، " ثورة الجزائر 1956" من الأعمال الفنية المهمة التي وثقت لهكذا اتجاه في الفن العراقي.
وتاليا في اكتشافه نظرية " واقعية الكم " التي عرّف بها في معرضه الشخصي الأول في " براغ " عام 1971، وهي المدينة التي أقام فيها منذ العام 1964، وتقديمها للوسط الثقافي في "بغداد "عام 1973.
لم أشاهد معرضه ذاك الذي أقامه في المتحف الوطني للفن الحديث ( كولبنكيان )، ولم أشهد السجالات التي دارت حوله. كان عمري لا يتجاوز العشرة أعوام . فأنا من جيل لاحق ، لم أدرك عديد الأحداث الثقافية والفنية التي غمرت تلك المرحلة ، إلا من خلال المقالات وأدلة الفنانين السابقة.
وهكذا كان الأمر مع تجربة الفنان " محمود صبري " . الذي أثار انتباهي تجاهها ، إطلاعي على القليل من دراسات جادة عنه في نهاية السبعينيات نشرت في مجلة " آفاق عربية " ، بشان " واقعية الكم " وتطبيقات كشوفاتها في لوحاته.
وبأثر تخصصي في الفن التشكيلي بعد ذلك ، ومتابعتي للعديد من اتجاهاته وتاريخها والعراقية منها خاصة . كانت الأحكام غير المدربة على تقييم نظريته الفنية تدفعني دائما لمعاودة الإطلاع والتفكير فيها ثانية.
حسنا ، ما الذي تم استنتاجه من ذلك : كانت نظريته مشيدة على معرفة صلبة ومنضبطة ، مقابل خبراتنا الجمالية والفكرية التي لم تستطع تفحصها كون الكثير من عدتها تم استعارته من القاموس الأدبي وأوصاف البلاغة . خبرة أطرتها مراجعات الصحافة وسجالات القاعدة الثقافية الضيقة الحدود . ما جعلها غير قادرة على أن تكون متطلبة وكثيرة الفضول تجاه أية أسئلة غير متوقعة في نتائجها.
كما كان هنالك الكثير من مثقفي اليسار ، غير الراغبين في الانتباه إليها بدواعي الشعور بخيبة ظن إيديولوجية ، حينما اختفت الموضوعة الثورية من لوحات محمود صبري ، و استبدال أشكال الكادحين والثوار في مشاهد لوحاته إلى صياغات تجريدية هندسية !!. فيما الفنانون لا يمكن لهم أن يصدقّوا بتكون النتيجة الفنية وعنوانها مستمدة من معادلات كيميائية.
عدا ذلك . أن "محمود صبري " قد غادر حضوره في المشهد التشكيلي العراقي لمدة تجاوزت الأربعة عقود ،ما اجل تحديد موقعه في الوسط التشكيلي لاحقا.
أسباب هي بمثابة اعتراضات ، جميعها ، كرّست فهما شديد الالتباس . ما زال حتى اللحظة يؤثر بمطلقاته عند قراءة تجربة احتفظت بمعرفة ونتاج شديدي الفرادة أسس لهما الفنان الرائد " محمود صبري ".
انه كأي اكتشاف معرفي وجمالي ومتألق ، يبدأ ليعمل خارج التوقعات.
ما يشغلني في تجربة الفنان " صبري " ليس تلك الأوضاع والتبريرات، بل ما طرحته نظرية " واقعية الكم " ، والتي أجدها تماثل إحدى القضايا الكبرى في الفن. حين افترضت أن المنجز الجمالي منذ الإغريق حتى " موندريان " ، هو فن بات في عداد الماضي . انه خلاصة حضارة زراعية، بخلاف عصرنا الذي يشهد تحولات مغايرة أكثر علمية وتجريبية، فهو عصر الذرّة والتفاعلات الجارية في المختبرات . والتقانة التي أصبحت ترفدنا باحتياجاتنا المادية والجمالية والروحية على حد سواء . فالعالم لم يعد مشهدا خلويا انه كيان عمليات . والمرئي هو ليس ما نشاهده فقط بل ما لم نشاهده أيضا . لابد أذن من فن لا يعاين الثابت بوصفه سكنا وإنما متحولا باطراد.
إن نظريته تقوم على مبدأ علمي جاءت به الفيزياء الحديثة ، في بدايات القرن الماضي ، أكد أن العالم ليس كيانا جامدا وموجودات ساكنة بل وجود في حالة تحول وصيرورة ، والشاهد هو تلك العلاقة بين الكتلة والطاقة داخل المادة وتحولاتها في الطبيعة.
وبواقع معرفة كهذه ، برر الفنان رؤيته تجاه الأساليب الطليعية في الفن ، وخاصة ما جاءت به التجريدية والاتجاهات اللاشكلية ، في كونها قد وصلت إلى طريق مسدود ، ولم تعد قادرة على التعبير عن روح العصر الذي أصبح العلم والتقانة هما المهيمنان فيه.
يقول " محمود صبري " في أحد لقاءاته ( .. تبدو " واقعية الكم " غريبة ومثيرة . فهي من جهة تتجاوز وتلغي مفهوم الواقعية التقليدية ، إذ أنها لا تقف عند المستوى المنظور بالعين المجردة من الطبيعة ( كما تفعل الواقعية التقليدية ) بل أنها تتجاوزه إلى مستوى أعمق فيها ، وهو مستوى العمليات الذرية . إن هذا المستوى كما هو معلوم لم يكتشف إلا مع تطور العلم والتكنلوجيا في عصرنا . لذا فان واقعية الكم تسد بهذه حاجة جديدة معاصرة : الحاجة إلى فن يمثل روحية الإنسان المعاصر الذي يخترق حاجز عالم المظاهر ويقف على عتبة عالم جديد غريب لم يعرف عنه إنسان الماضي شيئا ). من هنا كان يرغب بوضع أشبه ما يكون بأبجدية للرسم . تتخذ الأطوال الموجية الكائنة في العناصر الذرية مفرداتها اللونية وموضوعها. لاشك في أن نظرية " محمود صبري " قد تعرضت إلى سوء فهم ونقد وسجال ، بأسباب مقولة تتبنى التعارض الوظيفي والمعرفي في مجال العلم والفن . بأسباب أن الأخير تجربة تعتمد الخبرة الذاتية بمكوناتها الانفعالية والتعبيرية وصفة الفرادة فيها ، فيما العلم ، معرفة قائمة على الخبرة الموضوعية والملاحظة المختبرية الصادقة للتجربة ومقدماتها. بذلك هي تبقى قراءة تعاود اختزال النظرية إلى حالة اختلاف قائمة على أفكار مسبقة لطبيعة العلم والفن على حد سواء، وإرجاء تميزها الثقافي وجدليته لجهة بداهات وتصورات فكرية تقليدية.
إن نظرية " واقعية الكم " في حاجة حقـّة لقراءة جديدة ، وعبر الاستعانة بدليل أكثر معاصرة يحتفظ بفصول من الجماليات والعلم ويشير إلى معرفة مغايرة عنها، ليس بذريعة استذكارنا التاريخي عنها ، بل بضرورة تفحّص جدليتها والنتائج غير المتوقعة فيها، والتي أثبتت الطروحات الإبداعية والفكرية المعاصرة صوابها . وانطلاقا من الفن ذاته الذي بدأ ومنذ ما يقارب النصف قرن ، باستلهام التجارب والكشوفات العلمية والتقنية في منجزه .
كما في تجارب الفن المعاصر وأساليب ما بعد الحداثة ، وهي اتجاهات أصبحت مهيمنة حاليا في الفن العالمي . عدا ذلك التصور السديد الكائن فيها عند النظر إلى الفن بوصفه معرفة ، وتجاوز الاكتفاء بمعاينته من خلال الذائقة . إنها طروحات مازالت الأكثر تداولا وتضمينا في النظريات المعاصرة في الفن.يبقى احد امتيازات الفن العراقي ، انه قدم منظرا فذا بمستوى الفنان الرائد " محمود صبري " ونظريته المتألقة التي أطلق عليها تسمية " واقعية الكم ".